زعم ابن امبراطور تهريب المخدرات الكولومبي الراحل بابلو اسكوبار ان والده قام ذات مرة باحراق مليونين من الدولارات الأميركية لا لشيء سوى لتدفئة ابنته اثناء هروبه بها في احدى ليالي الشتاء القارسة البرودة. وقال ابن اسكوبار، الذي يطلق على نفسه حالياً اسم سيباستيان ماروكوين عوضاً عن اسمه الأصلي خوان بابلو اسكوبار، موضحاً ان والده الراحل كان يحمل حقيبة مليئة برزم الدولارات الأميركية عندما داهمته السلطات فاضطر الى الفرار مع ابنته مانويلا الى منطقة جبلية حيث اختبأ هو وهي في كهف لكن الجو كان شديد البرودة في تلك الليلة الشتوية.
ولم يكن هناك أي حطب أو خشب في الجوار فما كان من امبراطور الكوكايين الا ان أخرج رزم الدولارات وراح يشعل فيها النار الواحدة تلو الأخرى لتدفئة ابنته الصغيرة بعد أن خشي ان تموت من شدة البرودة. وحسب ماروكوين فإن والده الراحل استغل تلك النار ايضاً في شوي أرنب جبلي كان قد اصطاده لإطعام الطفلة خلال فترة اختبائه.
|
الراحل بابلو اسكوبار والابن خوان |
ارتبط اسم بابلو اسكوبار طوال سنوات بالعنف والكوكايين، فبعد أن صنع ثورة في تجارة المخدرات، تحول إلى ملك الكوكا في كولومبيا. سيطر اسكوبار على إمبراطورية المخدرات عبر التهديد والرعب، ولكنه أطعم الفقراء في بلاده أيضا، ومنحهم مساكن ومدارس ومستشفيات.
إلى جانب شركائه في عصابات مديين، أقام شبكة لتوزيع المخدرات صنعت إمبراطورية كوكايين لم يسبق لها مثيل. ونجح اسكوبار في إدخال عشرات الآلاف من أطنان البودرة السامة إلى الولايات المتحدة ومنها إلى أوروبا، ما جعله يستحق لقب عراب الكوكايين. كان اسكوبار صاحب تكتيك لامع يتبع استراتيجية حماية عملياته في كولومبيا، لتطوير عمليات التهريب إلى الولايات المتحدة، ما مكنه من إدخال كميات من المخدرات أكثر من أي مهرب آخر في تلك الفترة.
اسمه الحقيقي هو بابلو إيميلو إسكوبار جافيريا وهو من مواليد ريونجرو، كولومبيا، ولد في 1 كانون الاول عام 1949، كان الابن الثالث للمزارع أبيل دي هيسوس وزوجته هيرمينا المدرسة الابتدائية. بعد عامين من ولادته انتقلت العائلة إلى مديين بعد عدة قرى حيث علمت هيرمينا في المدارس.
كان فلاح منذ الولادة، يعشق الأرياف ويعتبر نفسه مجرد شخص من الذين عاشوا في أنتيوكيا، تلك المنطقة من كولومبيا التي تمتاز بثقافة فريدة، وهذا واحد من الأسباب التي جعلت بابلو اسكوبار يرفض مغادرة كولومبيا، للفرار إلى بلد آخر مثل البرازيل أو ما شابه ذلك، وذلك لارتباطه الوثيق بتلك المنطقة، وتلك المشاعر العميقة بالانتماء والوفاء، لأنتيوكيا.
نشأ اسكوبار على تعاليم الكنيسة الكاثوليكية وقيمها، بعد سنوات من التنقل عبر كولومبيا استقرت العائلة أخيرا في إنفيغادو خارج ميديين. بنى كنائس في كولومبيا بكل ما يملكه من أموال، وتبرع إلى الكنيسة في مديين، دون أن يرى في ذلك تناقضا مع قتل الناس، والقيام بدور زعيم متوحش لعصابات إجرامية نمت بين أواسط السبعينات والثمانينات.
|
|
أحب اسكوبار كرة القدم منذ الطفولة واستمر على هوايته طوال حياته. وهذه الهواية جعلته يستثمر الأموال في تعزيز الكرة الكولومبية، وقد استثمر تحديدا في فرق مديين بالتحديد، وقام بشراء كل المواهب التي استطاع العثور عليها في أمريكا اللاتينية. وفي أواسط الثمانينات، نجح اسكوبار والعصابات الأخرى في مديين، في جعل الكرة الكولومبية على مستوى المنافسة العالمية.
كان طفل لامع بلا شك، والحقيقة أن العديد من الموظفين الرسميين والوزراء في كولومبيا قد أعربوا منذ البداية أن حوارهم معه قد أثبت ذكائه الشديد فعلا. لم يذهب اسكوبار إلى المدارس جديا، ولكنه تخرج من الثانوية، كما يؤكد البعض أنه كان طالب مجتهد. كان كل من عرفه في سن الشباب علق مطولا على سرعة بديهته، وقدرته على استيعاب المعلومات، وربط الأشياء معا بطريقة غابت عن الكثيرين. هذا بعض من مواهبه، في العثور على بدائل وحلول، فتحت له أبوابا واسعة في مجال تهريب المخدرات. كان شاب طموح ولكن الأهم من ذلك هو أنه كان فذا، يعرف ماذا يريد، ولا يسمح لأحد بأن يقف في طريقه.
سعى بابلو اسكوبار للحصول على دعم، من خلال احتياجات الفقراء، فجند العديد منهم، ومنحهم عملا، بعضهم في الحراسات وحمل السلاح، والبعض الآخر في عدة مجالات من أعماله، كما سعى للاستفادة من إخلاص عناصر في منظمته، فاشترى لهم عددا من المزارع.
سلم اسكوبار نفسه للسلطات الكولومبية بعد حصوله على ضمانات بعدم تسليمه إلى الولايات المتحدة، وضمن الشروط التي حددها بنفسه للحكومة الكولومبية. وقام شخصيا ببناء سجن خاص به عرف بلقب لاكاتيدرال خارج مديين. شعر بأنه يستطيع التمتع بكل ما يريده في العالم. ولكن أعدائه لا يقتصرون على الحكومة الكولومبية وحدها بل هناك عصابات أخرى وزعماء آخرين ينافسونه داخل تحالف مديين. وأعتقد أنه فكر بأنها ستكون مجرد إقامة آمنة يستطيع الاستراحة فيها، دون أن يؤثر هذا سلبا على عمله في قيادة إمبراطورية الكوكايين. كان لديه هاتف، وزوار يأتون إليه، والأسلاك من حوله تحميه من العسكريين، وتحميه من العصابات المنافسة، أي أن هذا السجن لم يكن في غير صالحه.
|
|
سمح لاسكوبار بمغادرة السجن أيضا، فقد كان يخرج مساء السبت للذهاب إلى إينفيغادو والجلوس إلي إحدى الحانات للتحدث مع أصدقائه وقضاء أمتع الأوقات. كما شوهد في مباريات لكرة القدم. أي أنه استمتع بحياة جيدة هناك إلى أن اتضح في نهاية المطاف كل ما كان يفعله فقررت الحكومة نقله إلى سجن عسكري، اعتبر أقل راحة من قبل.
تمكن اسكوبار من الفرار عدة مرات بأعجوبة، ولكن عصره كملك الكوكايين قد بلغ نهايته. مضى أكثر من عام على فرار اسكوبار، ولكن يبدو أن حظه أخذ ينضب. لجأ اسكوبار إلى شقة سكنية في مديين. أثناء حوار أجراه مع ابنه بالهاتف الخليوي، تمكنت الشرطة المختصة من تحديد موقعه. حاول اسكوبار الهرب بالقفز من فوق سطح الشقة التي تعرضت للتصدع. تم تبادل إطلاق النار بين الشرطة واسكوبار.
قتل بابلو إميليو اسكوبار رميا بالرصاص على يد أحد رجال الشرطة يوم الثاني من كانون أول عام 1993، بعد يوم واحد على ذكرى ميلاده الرابعة والأربعين. وكان مماته شبيه جدا بحياته. إذ أن جنازته ازدحمت بفرح أهل الشماتة من أهالي الذي قتلوا على يد رجاله وعصاباته، وحزن عائلته ومحبيه الذين استفادوا من المساعدات ومعونات التي قدمها عبر أعماله الخيرية الواسعة النطاق.
وهكذا مات بابلو اسكوبار، وما زال سكان مديين يذرفون الدمع على قبره، حزنا على ما قام به من بناء مساكن للمشردين ومستشفيات للمرضى ومدارس للأميين وكنائس للمؤمنين. ولكن مشاعر عائلات رجال الشرطة وكبار الموظفين الحكوميين والصحفيين والقضاة الذين قتلهم تختلف جدا، إذ يعرفون في ملامحه وجه القاتل بدم بارد، الذي يبدو ان لديه كل شيء ولكنه في النهاية مات بمفرده.









